محمد جمال الدين القاسمي
325
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 14 ] قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ أي لكفار مكة المبكّتين بما تقدم : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أي معبودا . كقوله تعالى : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ . والمعنى : لا أتخذ وليّا إلا اللّه وحده . فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق . بالجر ، صفة للجلالة ، مؤكدة للإنكار ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي : يرزق ولا يرزق ، أي : المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . أي : فيجب اتخاذه وليّا ليعبد شكرا على إنعامه ، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض . قيل : المراد بالطعم الرزق ، بمعناه اللغويّ . وهو كل ما ينتفع به ، بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ الذاريات : 57 ] . فعبر بالخاص عن العام مجازا ، لأنه أعظمه وأكثره ، لشدة الحاجة إليه . واكتفى به عن العام ، لأنه يعلم ، من نفي ذلك ، نفي ما سواه . قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي : وجهه للّه مخلصا له ، لأصير متبوعا للباقين . كقوله : وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : 163 ] . وكقول موسى : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي : وقيل لي : وَلا تَكُونَنَّ . فهو معطوف على أُمِرْتُ بمعنى : أمرت بالإسلام ، ونهيت عن الشرك صريحا مؤكدا ، بعد النهي في ضمن الأمر . ونهي المتبوع نهي التابعين . ويجوز عطفه على قُلْ . وفي الآية إرشاد إلى أن كل آمر ينبغي أن يكون عاملا بما أمر به . لأنه مقتداهم . قيل : هذه الآية للتحريض ، كما يأمر الملك رعيته بأمر ، ثم يقول : وأنا أول من يفعل ذلك ، ليحملهم على الامتثال . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 15 ] قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي : بمخالفة أمره ونهيه أيّ عصيان . فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليّا . عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني : عذاب يوم القيامة ، الذي تظهر فيه عظمة القهر الإلهيّ . وفي الآية مبالغة أخرى في قطع أطماعهم ، وتعرض لهم